القاضي عبد الجبار الهمذاني
331
شرح الأصول الخمسة
الألم للعوض ، سيما على مذهبكم أن الحسن والقبيح إنما يحسن ويقبح لوقوعه على وجه متى وقع على ذلك الوجه قبح أو حسن من أي فاعل كان . والجواب : أما الأول ، فلا يصح ، لأن الاستحقاق ينقسم إلى : ما لا يثبت لأحدنا إلا على فعل نفسه نحو المدح والتعظيم وغير ذلك ، والثواب من هذا القبيل ، وإلى ما لا يستحقه إلا على فعل الغير ، وذلك كأروش الجنايات وقيم المتلفات ، فإن ذلك لا يستحق إلا على فعل الغير ، ولهذا فإن من فرق على غيره ثوبه يستحق عليه قيمته ، ولو مزقه على نفسه لم يستحق العوض ، نظيره في الشاهد قيم المتلفات ، ففسد ما ظنوه . وأما الثاني ، فإنا نعارضهم أولا بالاعتبار ، فنقول : لو حسن من اللّه تعالى الإيلام للاعتبار لحسن منا أيضا كذلك والمعلوم خلافه ، ثم نفصل الجواب عن ذلك فنقول : إن ما يفعله الواحد منا من الآلام إما أن يفعله بنفسه أو بغيره ، وإذا فعله بغيره فإما أن يكون مفعولا بالمكلف أو بغير المكلف . فإن فعله بنفسه فإنه يحسن للنفع ولدفع الضرر ، ألا ترى أنه يحسن تحمل المشاق طلبا للعلوم والآداب ، وكذلك فإنه يحسن منه الفصد والحجامة ونحو ذلك ، ولا وجه في حسنه إلا النفع أو دفع الضرر على ما ذكرناه قبل . ولسنا نعني بذلك أنه لا بد من حصول النفع ودفع الضرر ، فقد بينا أنه لا يفترق الحال في ذلك بين أن يكون معلوما وبين أن يكون مظنونا ، وإن فعله بغير المكلف فإنه يحسن للعوض ودفع الضرر . فلا خلاف في هذا بين أبي علي وأبي هاشم ، وإنما الخلاف في أن حسن ذلك هل يعلم عقلا أو شرعا ، فعند أبي علي أنه يعلم شرعا ، وعند أبي هاشم أنه يعلم عقلا وهو الصحيح ، فإن الواحد منا يستحسن بكمال عقله ركوب البهائم في تعهدها ، من سقيها وتحصيل العلف عليها وغير ذلك . وبهذا أجاب أبو هاشم من سأله عن ركوب النبي صلى اللّه عليه وسلّم البهائم قبل البعثة وأنه لو لم يكن متعبد بشريعة من قبله لكان لا يستحسن ذلك ، فقال : إن ركوب البهائم لمصالحها والمنافع العائدة إليها مستحسنة عقلا ، فلا وجه لما ذكرتموه ، وإن فعله بالمكلف فإنه يحسن للنفع ودفع الضرر والاستحقاق ، ولا شك في أنه يحسن من أحدنا إيلام الغير لمكان الاستحقاق ، فإن المساء إليه يذم المسئ ويؤلمه بذمه ويحسن منه ذلك ، لا لوجه سوى الاستحقاق . فإذن لا كلام في هذا ، وإنما الكلام في أنه هل يحسن منه إيلامه للنفع ولدفع الضرر من دون اعتبار رضاه أم لا .